أبعاد وخلفيات الجدل بشأن بقاء الرئيس ولد عبد العزيز فى السلطة /سعد بوه الشيخ محمد

المقالات

أثارت تصريحات وزير الثقافة والصناعة التقليدية والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد الامين ولد الشيخ بشأن بقاء رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز في السلطة بعد السنة المقبلةن أثارت- وتثير- جدلا متصاعدا، على المستويات الإعلامية، والسياسية، ورغم أن تناول الحديث في هذا الموضوع يحمل درجة كبيرة من “المجازفة” هذه الأيام،
بحكم استعداد البعض لأن يسم كل من لا يتفق مع رأيه في هذه النقطة بأبشع النعوت، بل ويخرجه من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر – كما فعل سيدي عالي ولد بلعمش مع الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة- رغم كل ذلك، فقد قررت خوض “المغامرة” وإبداء وجهة نظري بهذا الخصوص، بما أن حديث الناطق باسم الحكومة المذكور جاء إجابة عن سؤال طرحته عليه شخصيا خلال المؤتمر الصحفي للحكومة، ولم يكن يخطر ببالي أن سؤالي ذلك سيثير كل هذه الضجة، وعلى بركة الله ألخص وجهة نظري في النقاط التالية:
أولا: لماذ كل هذا الجدل..
إن المتابع لمستوى ردة فعل البعض على تصريحات الناطق باسم الحكومة المذكورة يخيل إليه أن الوزير قال منكرا من القول وزورا، ونطق بما لم يسبق إليه أحد، والحقيقة غير ذلك، فجدل بقاء ولد عبد العزيز، أو مغادرته مع انتهاء مأموريته الثانية جدل قديم قدم وجود ولد عبد العزيز نفسه في السلطة، فتصريحات الرئيس بهذا الخصوص تتدحرج أحيانا من نفي البقاء بعد المأمورية الحالية، إلى الغموض المتعمد، لتصل أحيانا حد التلميح بالبقاء، إذا .. لا جديد قاله الناطق باسم الحكومة هذه المرة يستدعي كل هذه الضجة، ثم إن مسؤولين رسميين – باستثناء وزير الثقافة- لا يفتؤون يجاهرون بالمطالبة ببقاء ولد عبد العزيز في السلطة، ولم يـُجابهوا بهذا المستوى من “التعنيف السياسي” الذي قوبل به وزير الثقافة هذه المرة.
ثانيا: مهاجمة الناطق، لا المنطوق باسمه !
إن من يتحاملون على وزير الثقافة، الناطق باسم الحكومة، ويحملونه مسؤولية هاجس بقاء الرئيس ولد عبد العزيز في السلطة هم في الحقيقة يتعمدون مغالطة الجميع، فالكل يدرك أنه ما كان للناطق باسم الحكومة أن ينطق بكلمة تتعلق بموضوع المأمورية الرئاسية بدون تعليمات قطعية الدلالة لا تقبل التأويل من رئيس الجمهورية، فهذا الموضوع بالتحديد بات – ومنذ فترة- حكرا على رئيس الجمهورية، لا يـُسمح لأي عضو في الحكومة بالحديث فيه، ولا عنه، ولا حوله، إلا بتوجيهات رئاسية، لذلك فإنه لا مبرر إطلاقا لمهاجمة وزير يتقاضى راتبه الشهري مقابل وظيفة محددة من ضمنها التعبير عن تعليمات رئيسه، وحكومته، ومهاجمة وزير بشكل شخصي بسبب تعبيره عن موقف رئيسه، وحكومته أمر يحمل الكثير من عدم الإنصاف، فوزير الثقافة شخصيا مقتنع بأن ولد عبد العزيز هو الأفضل لموريتانيا، وهذا رأيه الشخصي، ولا ينبغي محاسبته عليه، تماما كما لا ينبغي محاسبة من يرون أن ولد عبد العزيز هو أسوأ رئيس عرفته موريتانيا، ويطالبون بعدم ترشحه مجددا، فذاك حقهم الطبيعي، أما الاختلاف مع الموقف الذي عبر عنه الناطق باسم الحكومة فحق مكفول كذلك للمخالفين، لكن عليهم أن يصبوا جام غضبهم على المنطوق باسمه، لا الناطق بما أُمر من باب وضع الأمور في نصابها.
ثالثا: ازدواجية المعايير..
لنفترض جدلا أن مطالبة الرئيس ولد عبد العزيز بالترشح مجددا هي كفر سياسي بواح، وانتهاك للمُحصن والمـُحكم من الدستور، الذي ينبغي على الجميع احترامه، وتطبيقه حرفيا، هنا نسأل كيف يبرر من يطالبون اليوم بمحاكمة الناطق باسم الحكومة على هذه التصريحات المخالفة للدستور، كيف يبررون لأنفسهم مخالفة الدستور، والخروج في مسيرات شعبية ترفع شعار الرحيل، وتطالب بخلع رئيس منتخب من الشعب قبل انتهاء مأموريته التي حددها الدستور، والأهم من ذلك يطالبون بخلع الرئيس بطريقة تخالف الدستور كذلك، فالدستور حدد طريقة انتقال السلطة من الرئيس بالانتخابات حصرا، وليس بالمسيرات والثورات، ثم ما الفرق بين التعبير عن الرغبة في الإطاحة بالرئيس المنتخب، وإزاحته بطريقة غير دستورية، والتعبير عن الرغبة في ترشحه لمأمورية ثالثة تخالف الدستور ، هل يراهن البعض على ضعف ذاكرة الشعب؟!.

ثم إن على الجميع استحضار أن الدستور منع على رئيس الجمهورية الترشح لمأمورية ثالثة، ولم يمنع على أي مواطن آخر التعبير عن رغبته في استمرار الرئيس في السلطة، وبين الأمرين بون شاسع.
رابعا: تعسف في التأويل..
إذا عدنا إلى نص تصريحات الناطق باسم الحكومة الأخيرة نلاحظ أن الرجل لم يقل أبدا إن رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز سيترشح لمأمورية ثالثة، بل قال إن ولد عبد العزيز سيبقى في السلطة بعد السنة المقبلة، أعتقد أنه كان بإمكانه أن يقول إن ولد عبد العزيز سيترشح مجددا، لكنه اختار كلماته بعناية، ولم يذكر مطلقا كلمة “ترشح” في هذه التصريحات، وكأنه يشير إلى سيناريو لا يعلمه الجميع حتى الآن، خاصة عندما قال “الأيام المقبلة ستثبت ذلك”، صحيح أن السيناريو البديهي، والذي يتبادر إلى أذهان الجميع هو ترشح ولد عبد العزيز السنة المقبلة إذا كان يرغب في الاستمرار في السلطة، وهذا ما يتعارض قطعا مع الدستور، لكن صحيح كذلك أن السياسة عالم تزدهر فيه المفاجآت، ويحمل فيه “المجهول” أهمية تفوق بكثير أهمية المتوقع – على حد قول المفكر السياسي محمد يحظيه ولد ابريد الليل-، لذلك فينبغي أن ننتظرن ونرى..
تأسيسا على ما سبق، يتضح أن الجدل الدائر هذه الأيام بخصوص تصريحات الناطق باسم الحكومة بشأن بقاء الرئيس ولد عبد العزيز في السلطة هو جدل غير مبرر في شكله، ولا في سياقه، وغير مثمر في نتائجه بالنسبة لمن يهاجمون الناطق باسم الحكومة، ذلك لأنهم يخدمونه من حيث أرادوا الإساعة عليه، فالناطق باسم الحكومة لا يبحث أصلا عن خطب ود هؤلاء المعارضين للنظام حتى يمتدحوه، بل إن مكانته في النظام، ولدى رئيسه قد ترتفع، أو تنخفض -طرديا- تبعا لمستوى مهاجمته من معارضي النظام، وتلك حقيقة يجهلها البعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.