الخروج عن الثقافةدون وعي /محمد الأمين ولد دده

المقالات

من المعروف أن الأمم و المجتمعات على اختلافها تتمايز بالثقافة ، فبالثقافة ينتمي الشخص إلى مجتمع من المجتمعات بحيث يظهر ذلك من خلال لبسه و كلامه و نمط حركاته .. فمثلا يكون كل من تكلم الحسانية و لبس الدراعة أو الملحفة أو أظهر استحياء من صهره .. بيظانيا .
ليست علاقة الإنسان بثقافته محصورة في ممارسات جامدة ذات حركات ديناميكية لا روح لها ،
بل على العكس فإن الإنسان لا يمارسها إلا لكونها نابعة منه ، لارتباطها بمنظومة توجيهية و تربوية و اجتماعية و شخصية ، الأمر الذي يعطيها بعدا روحيا ، و إذن فلا يمن أن نقول إلا أن ارتباط الإنسان بثقافته قوي و يجب أن يظل كذلك ، و قولنا يجب أن يظل كذلك إنما نعني بها أنه أحيانا يتم الخروج عليها .
يمكن أن نرجع الخروج على الثقافة إلى نوعين من الخروج ، أحدهما واع و الآخر لا واع ، فالأول يكون برفض الإنسان رفضا معلنا أو غير معلن لثقافته الأصلية ، و استبدالها بثقافة أخرى يظن أنها أكثر جدية منها أو أكثر إقناعا ، مع أنه قد لا يتبع هذا الرفض تمثل ثقافة بديلة … ذلك مثل استبدال أحدهم لدينه بدين آخر أو تخليه عنه دون استبدال ، أو مثل رفضه لممارسة عاداة و تقاليد مجتمعه ، لأنها في نظره غير ملائمة للعصر ، أو بعبارة أخرى غير متحضرة ، مثل ما حصل مع الكثيرين من أبناء مجتمعات الأدغال الإفريقية حين تخلوا عن ممارسة الطقوس المتعلقة بأرواح الأجداد .
أما الخروج اللا واع فيكون بتمثل الإنسان لثقافة أو لغة قوم آخرين ، دون أن يكون قاصدا إحلالها محل ثقافته ، و لعلنا نرى بيننا هذا النوع من الخروج بشكل دائم ، فمثلا دائما ما نجد الكثيرين يفضلون في طلب العفو القول باللغة الفرنسية pardon بدل كلمة عفوا باللغة العربية ، أو القول donc بدل إذن ، و هكذا .
يمكن أن نرجع الخروج اللا واعي عن الثقافة ، إلى طلب الشخص الخارج لمكانة أعلى من مكانة سامعيه ، أو على الأقل مساوية لها ، و لذلك فدافع الخروج اللا واعي هو الافتخار أو المباهاة أو السيطرة أو حب الظهور … ذلك لأن الذين يخرجونه ، يرون بتفوق الثقافة الوافدة التي يتمثلونها على ثقافتهم الأصلية ، أو بلغة ابن خلدون في المقدمة يرون بتغلبها . فابن خلدون يعنون الفصل الثالث و العشرين في مقدمته بـ ” في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره و زيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده ” ، و ما دام الأمر كذلك فإنهم يأخذون بأسباب التفوق من تلك الثقافة المتغلبة .
و في الحقيقة فإن الخروج الواعي على الثقافة قد يكون إيجابيا و إلزاميا ، و هنا نقول بأن الإسلام كان خروجا واعيا على عبثية عبادة الأوثان ، أما الخروج اللا واعي و الذي هو تقليد للآخرين لا يستند إلا لما سبق و أن ذكرنا ، فيعتبر سلبيا .
دائما ما يجلب الخروج اللا واعي لصاحبه الوقوع في التناقض ، فكثيرا ما نجد في مجتمعاتنا الأشخاص الذين ينتهجون سلوك و مظاهر الغربيين ، يدعون في نفس الوقت إلى الالتزام بلغة و دين مجتمعهم مستنكرين أي نوع من أنواع الخروج عليها ، إلا أنهم ليسوا واعين بخروجهم هم أنفسهم عليها ، و لذلك سمينا هذا النوع بالخروج اللا واعي ، فمثلا قد نجد شخصا ما يتحدث عن غرائب اللغة العربية ، و قوتها ، و عدد تسمياتها للأشياء ، و في نفس الوقت نجده يكتب اسمه بلغة أخرى ، و إذا ما أراد التعبير عن شدة الحرارة عبر بلغة أخرى .. و هكذا أتذكر مرة أحد زملائي كان يتحدث بحماسة شديدة مع زميل آخر ، عن أن اللغة العربية هي أرقى و أقوى اللغات و قال كدليل على ذلك بأن للأسد خمس مائة اسم عربي ، ثم عدد الكثير منها و بعد مضي وقت ليس بالكثير من فض الجلسة ، إذا به يتحدث في فضاء آخر و وفق حضور آخر عن قصة للحيوانات ، و حين ما وصل لاسم الأسد قال و بسرعة le lion.
لذلك فإن التقليد على هذا الوجه مجلبة للتناقض ، كما أنه يجعل الشخص غير قادر على بناء قراراته بنفسه ، الأمر الذي يقود إلى الفشل ، و الذوبان في الفراغ لأن صاحبه لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.